الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

336

نفحات القرآن

إنّنا إذا ما تمعّنا بشيٍ من الدقّة في الآيات المذكورة لا تّضح لنا عدم وجود أيّ تضاد في هذه المسألة ، وذلك لأنّ المتوفّي الرئيسي هو اللَّه تعالى ، ثمَّ تناط مهمّة قبض الأرواح ب « ملك الموت الكبير » ( عزرائيل عليه السلام ) الذي أوكلت إليه هذه المهمّة وهو بدوره ينجز هذا العمل أيضاً بواسطة « مجموعة من الملائكة » والرُسل الذين هم نفس أولئك الملائكة . إنّ الأحداث المهمّة في هذا العالم تنجز أساساً بواسطة الملائكة الَّذين لا هدف لهم إلّا الطاعة للَّه‌والعمل بأوامره ، والموت الذّي هو أحد هذه الأحداث المهمّة في هذا العالم لايستثنى من هذا القانون . وجملة : « ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » تدلّ على أنّ الموت مقدّمة العودة نحو الحق في مرحلة السير الصعودي ، كما أنّ الولادة هي نافذة نحو عالم الفناء والسير النزولي لروح الإنسان ، والتعبير ب « ثمّ » من المحتمل أن يكون إشارة لوجود البرزخ . 4 و 5 - حال المؤمنين والظالمين عند سكرات الموت إنّ حال المؤمنين والمحسنين لا يشبه حال الظالمين والمذنبين عند حلول الموت في ساحتهم ، أو بتعبير آخر إنّ نتائج أعمالهم وعقائدهم تظهر بالتدريج في تلك اللحظة ، و « الآية الرابعة والخامسة » لهما دلالة عميقة على هذه الحقيقة . قال تعالى : « الَّذِينَ تَتَوفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ ظَالِمى أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ » ، وتدلّ هذه الكلمات على أنّهم لم يخضعوا بالكامل ، فهم لا يعلمون بأنّ هذا الانكار لا معنى له أمام اللَّه الّذي يعلم الغيب وأمام الشهود من الملائكة ، لذا أضاف تعالى في ذيل الآية : « بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . ثمّ وجّه الأمر إليهم فقال : « فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدينَ فِيهَا » . ومّما تقدّم يظهر أَنّ اعلان التسليم بالنسبة لهؤلاء هنا هو بمعنى اظهار التوحيد والتسليم للحق ( كما يرى عدد من المفسرين ) ولكن بما أنّ جوّ الدنيا لم يفارقهم بعد ولم يَتعرَّفوا على